ابن حجر العسقلاني

27

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

فِي قَوْلِهِ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : ذلك أدنى أن لا يَكْثُرَ مَنْ تَعُولُونَهُ .

--> = الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل وأجاب ، وذكره مرة أخرى بلا تفصيل ، فجمع قول الرسول من غير توسيط السؤال ، ومرة ذكره صدره ، فسأله السامعون ، فأجاب ببقيته ، ولا يلزم من ذلك كون الجواب من كلام نفسه ، وأما قوله في بعض الروايات : " هذا من كيس أبي هريرة " فإنما هو من قبيل التهكم . كأنه يقول : " كيف أخبركم في صدر الحديث بأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ، ثم تسألونني ، أسمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ " . [ وأورد عليه ثانياً ] : لو سلم أن هذا الكلام من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تسلم دلالته على أن للمرأة حق طلب الفراق عند الإعسار ، وأن القاضي يحكم به ؛ لأنه إنما يقرر حق المرأة في النفقة ، ويحكى ما تنطق به المرأة بلسان الحال ، أو المقال إذا وجدت زوجها ينفق المال على غيرها ، ويدعها ، ولا يجب أن يكون ما تنطق به حقاً لها يقضى لها به ، وإنما هو أمر يقع في المخاصمات ، ومما يدل على هذا أنه كلام عام يشمل الموسر والمعسر مع أن الموسر يحسن الإنفاق ، ولا يحكم عليه بالفراق . [ ولك أن تجيب ] بأن الأصل فيما يحكيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أمر مشروع ما دام قد قرره ، وكونه حكاية لما يحصل ، وإن لم يكن مشروعاً خلاف الأصل ، فلا يعدل إليه إلا الدليل ، وأين الدليل هنا ؟ وشمول الكلام للموسر لا يضر ؛ فإنه يثبت لزوجته حق طلب الفراق في الجملة كما يأتي ، وكذلك المعسر . وغاية هذا أن يكون عموم الحديث مخصوصاً بالأدلة التي تمنع هذا الحق في بعض صور المعسر والموسر . [ ب ] ما رواه الدارقطني ، والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله ، قال : " يفرق بينهما " . وهذا الحديث صريح في وجوب التفريق عند الإعسار بالنفقة ، لكن إنما يكون ذلك عند عدم رضا المرأة بالمقام معه على إعساره ؛ للإجماع على عدم وجوبه عند رضاها . [ وأورد عليه ] أن من رواية عاصم عن أبي هريرة " وفي حفظ عاسم شيء ، كما قال ابن القطان وغيره . وقد أعل هذا الحديث أبو حاتم . وقال الحافظ : " إن الدارقطني وهو فيه ، وتبعه البيهقي " ا . ه - . وقال ابن القيم : " إنه حديث منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأحسن أحواله ، أن يكون عن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفاً ، وأما أن يكون عن أبي هريرة عن الني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوالله ما قال هذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا سمعه أبو هريرة ، ولا حديث به ، كيف وأبو هريرة ، لا يستجيز أن يروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " امرأتك تقول : وإلا طلقني " ويقول : " هذا من كيس أبي هريرة " ؛ لئلا يتوهم نسبته للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ . [ ولك أن تجيب عن ذلك ] : أما ما قيل في حفظ عاصم ، فإنه لا يقدح في حديثه ؛ فإن عاصماً هو ابن بهدلة المعروف بابن أبي النجود ، أحد القراء السبعة ، وثقه الإمام أحمد ، وغيره ، ويروى له الشيخان مقروناً ، فإذا روى حديثاً ، ولم يخالف من هو أحفظ منه لم يكن في حديثه شذوذ ، ولا نكارة ، كهذا الحديث الذي معنا ، فإعلال أبي حاتم له ، وتوهيم الحافظ ابن حجر للدارقطني ، والبيهقي فيه ، وادعاء ابن القيم أنه منكر ، كل ذلك مبني على توهم المخالفة ، لما في صحيح البخاري من قول أبي هريرة : " هذا من كيسي " وقد بينت فيما مضى أن هذا القول =